• ×

08:07 صباحًا , الجمعة 7 ذو القعدة 1439 / 20 يوليو 2018

روان النفيسة
بواسطة : روان النفيسة

 0  0  317
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

إمرأة من بلادي


ذرة يزرعها الرجل بإذن القدير في رحم يتلقفها دون تردد ولو خُيّر زارع البذرة حين زراعتها ايزرعها أنثى أم ذكراً لما اختارها أنثى وعندما تحين ساعة المخاض والخروج من الظلمات الثلاث فإنها لا تغادرها إلا إلى ظلمات أحلك .. منهم من يُبشّر بها فيسود وجهه ويكظم حنقه لئلا يُظن به معترضا ساخطا على رضا الله .
ثم تغدو طفلة تسمعها أمها ليلاً ونهاراً طلاسم لا تجيد فك رموزها لكنها تشم منها رائحة التوجع والتذمر فلولا هذه البنيّة لما احتملت تلك البليّة التي هي زوجها .. وتكبر ويستدير عودها وتبلغ مبلغ النساء فيُزج بها في زنزانة من المحاذير والمحظورات ترقبها الأعين إن تبسمت سألوها عن سبب تبسمها وإن شرد ذهنها تربصوا بأفكارها وفجروا رأسها ليتبينوا فيم و فيمن تفكر وإن تزينت عابوا عليها وإن اشتهت ما تشتهي البنات في عمرها أرجأوا متطلباتها حتى تصبح في بيت الزوجية .. وصباح مساء ترتل أمها على مسامعها أسفار العفة والطهر والنقاء فهي زجاجة إن خدشت فستظلل الأسرة بأكملها غيمة عار تمطرهم بالخزي ما عاشوا ودامت لهم الحياة .. وتروح وتجيء على معاقل العلم وهي تنوء بأثقال من قيود تحجر على عقلها أن يعي مما تدرسه إلا ما تصبه في أوراق تُمنح بعدها وثيقة تثبت صلاحيتها لأن تكون مصدر دخل لجيب وليها .. ويكتب الله لها أن تصبح موظفة وغالباً معلمة فتصبح مطمعاً للشاب والشيبة .. فهي تدر الوفاً لا تقل عن الخمسة كل شهر .. ويتوافد الخطاب .. ويشترط الولي نصف الراتب .. ويلتهم الزوج نصفه الآخر .. ومحظوظة من كان ذلك نصيبها .. فغيرها تُعضل ليحتلب وليها كل شهر عرقها وتعبها وجهدها دون أن يمنحها قطرة مما احتلبه ..
وتصبح زوجة تقضي ليلها ساهرة تنتظر عودة شهريارها من الاستراحة وقد احمرت عيناه من نفث الدخان وتنفس الشيشة شهيقاً وزفيراً وفترت انامله من مداعبة أوراق ( البلوت ) وشبعت نفسه من التغزل بفاتنات الشاشة ونفذت كلماته على عشيقة الهاتف والانترنت .. فيعود جثة هامدة بل جيفة متعفنة يلقي بثقله في جهة من السرير محذراً إياها من إيقاظه أو ازعاجه .. ثم لاعناً إياها شاتماً ساخطاً في الصبح لأنها لم توقظه لعمله .. ويكبر الأبناء وهي تكبر معهم .. فيتضاءل دورها بعدما شبع زوجها وأصبح من ذوي الأملاك يركب سيارة فارهة ويرتدي ساعة ماركة ويضع في جيب صدره قلماً فاخراً وفي أحد جيبيه الجانبيين دفتر شيكات وفي الآخر آخر إصدار من الهواتف الذكية . تظل ترقب أبناءها الذين تكاد تفقد السيطرة عليهم فالبنين والبنات في سن المراهقة والرقابة لابد أن تكون صارمة فالعصر مخيف والعالم قرية صغيرة والخطر يتربص بهم وهي الراعية المسؤولة بل هي المدرسة المأمولة لتخريج جيل من العباقرة والمفكرين ينتسبون بدءاً من الاسم الثاني إلى آل فلان الذي أبنهم فلان ذي المركز المرموق وصاحب العمارة في الحي الفلاني .. وفلان آل فلان زوجها يعاقر الملذات يسترجع أياماً خلت ويستعيد عمراً فني .. مع أخرى من بلد شقيق تسابق لداتها للفوز بجيبه قبل قلبه .. فقلبه لا يعنيها إنما جيبه المحشو بأوراق ثمينة يدفعها مقابل كلمة ( استوحتك بالزاف ) و( تئبرني ابن عمي ) وما شاكلها من لهجات أخرى .
وينقضي عمر بنت وطني وقد حفرت السنون أخاديداً في وجهها ورسم الأبناء تضاريساً على خارطة جسدها وأهداها الزوج الرؤوف الرحيم أمراضاً ووصية الأم تسكن تلافيف عقلها ( كوني صندوقاً محكماً لايُعلم مافيه ) وترحل عن الدنيا وصندوقها مغلقاً يحتل مساحات صدرها ويمتد بعد نزع الروح منها .
رحمك الله يا أم فلان وزوجة فلان السابقة ،، بقي وفياً لها حتى وفاتها .. ثم تزوج بعدما رحلت فالرجل لايمكنه الحياة دون امرأة .. بينما المرأة تحيا بدون رجل طوال عمرها ... حتى وهي على ذمة احدهم ..!

بقلم الكاتبة أ. حنان الغامدي

لنشر مقالاتكم وأخباركم التواصل عن طريق الايميل
jeddah.ch@gmail.com

التعليقات ( 0 )