• ×

11:49 مساءً , الإثنين 2 ربيع الأول 1442 / 19 أكتوبر 2020

الدكتور فايز بن علي الأحمري
بواسطة : الدكتور فايز بن علي الأحمري

 0  0  397
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تقزمت أمامه القامات ، وطأطأت من جبروته الهامات ، وتقهقرت من رعبه الحكومات ، وتعالت من جوره الأصوات ، وتكبدت البلدان من أثره كثيراً من الأزمات الاقتصادية ،والصحية ،والنفسية ، والاجتماعية ، وغيرها الكثير ، تلك الدول التي أُطلق عليها "عظمى" بما تمتلكه من القوى العسكرية ، والاقتصادية، والعلمية ، والبشرية ، تقف مكتوفة الأيدي عاجزة أمامه ، بل أصبحت لا تمتلك القدرة على مقاومته ، وهو يحصد الأرواح ، ويعطل حركة الاقتصاد ، ويدخل الرعب إلى النفوس .
أين العظمة والكبرياء ؟
أين القوى والجبروت ؟
أين التقدم العلمي والتقني والصحي والتكنولوجي ؟
أين تلك القوى من مواجهة ومجابهة فيروس لا يُرى بالعين المجردة ؟
لقد عجزت مراكز الأبحاث شرقاً وغرباً عن ما هيته ، وكيفية مواجهته ، تارة يُنسب لفعل البشر ، وتارة ينسب للقدر ، ولا يزالون مختلفين لبعدهم عن منهج الدين القويم ، ألم يعلموا أنه مسير ممن خلقه وقدره ،لحكمة عظيمة لا يعلمها غيره سبحانه وتعالى ؟
إنه حدث عظيم هز العالم أجمع ، وأرعب الزعماء ، وأرهب العظماء ، وأبكى العلماء ، وحجب أهل الفسوق والمجون ، وكشف أهل الفجور والعصيان ، وأوقف أصحاب الطغيان ، وشل حركة الكون ، وضرب الاقتصاد في مقتل ، وحبس الأنفاس ، وأشغل وسائل الإعلام ليلاً ونهاراً ، وفي خضم هذه الأحداث المؤلمة نشاهد ونسمع الكثير من المحللين على اختلاف مشاربهم ، وفي كآفة تخصصاتهم يتحدثون لغة عقيمة مجانبة للصواب في وصف هذا الوباء بأنه عدو للبشرية ينبغي مواجهته بكل القوى البشرية ، ومجابهته بما صنعه الإنسان من ماديات ،وكأنهم يجابهون قدرة الله تعالى . ألَم يعلموا أن أمره بيد الله أرسله وفيه بشارة ونذارة ؟
لقد ابتعدوا عن المنهج الحق في التعامل مع هذا الحدث الرباني ، والذي بينه لنا ديننا الإسلامي الحنيف قال تعالى : (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .
تلك مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها مما يبتلي الله بها العباد حتى يتوبوا ويجددوا إيمانهم ، ويعودوا إلى خالقهم ، ويستشعروا عظمته ، ويقفوا عند حدوده .
ويقول عز وجل : {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}
وفي هذا توجيه للمسلم الذي يدين بالإسلام ، ويمتلك مالا يمتلكه غيره من البشر من التعاليم السمحة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتأمل كثيرًا في الحكمة من إرسال هذه الآيات ألا وهي التخويف، أي: حتى يكون الإنسان خائفًا وجلًا من عقوبة قد تنزل به. *
وهنا ندرك الحكمة الإلهية من إرسال مثل هذه الآيات التي تعتبر فرصة ثمينة وهدية ربانية لأمة الإسلام لكي تبادر إلى التوبة ، والاستغفار ، والدعاء، وجميع الأعمال الصالحة التي أرشدنا إليها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، ولنعلم أن هذا هو العلاج الناجع لرفع هذا الوباء وكشف البلاء عن أمة الإسلام ، وهذا لا يتنافى مع وجوب الأخذ بالأسباب التي حث عليها ديننا الإسلامي الحنيف قال صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَه ).
ومن فضل الله تعالى على هذه البلاد المباركة المملكة العربية السعودية منذ تأسيها على يد المؤسس المغفور له بإذن الله الملك عبد العزيز -رحمه الله - حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله - وأمده بعونه وتوفيقه ، أن منَّ عليها بتحكيم الشريعة الإسلامية في كل شؤونها ، فعم الخير ، واستتب الأمن ، وتحققت الطموحات في كآفة المجالات ، وأصبحت بلادنا مضرباً للمثل في اللحمة الوطنية ، والبذل والعطاء، ومد يد العون لكل المحتاجين داخلياً وخارجياً ، وخدمة الإسلام في جميع أنحاء العالم ، وقد اتضحت للعالم أجمع هذه المبادئ والأسس المتينة التي تنتهجها بلادنا المباركة من خلال أحداث هذا الوباء ، حيث تعاملت معه وفق توجيهات شرعنا القويم ، بدءاً بكلمة خادم الحرمين الشريفين التي وضح من خلالها للمواطنين بكل صدق وشفافية أهمية مواجهة هذه الجائحة، حيث توجه في بداية خطابه بدعاء الله تعالى بأن يكفينا والعالم أجمع شر هذه الجائحة ، وهذا منطلق إيماني يؤكد أهمية الإلتجاء لله في كل الأحوال .
وأكد حفظه الله أيضا على أهمية التوكل على الله مستشهداً بقوله تعالى في سورة الشرح ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ ، ثم أكد أن المملكة مستمرة لمواجهة هذه الجائحة (مستعينة بالله بكآفة الإجراءات الاحترازية بثبات المؤمنين العاملين بالأسباب )، وقال حفظه الله وأعلمُ أننا سنواجه المصاعب بإيماننا بالله وتوكلنا عليه ).
كل هذه القيم والمعاني التي تضمنها خطابه -حفظه الله- لم تأتِ من فراغ ولكنه منهج قويم مستمد من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الذي قامت عليه دولتنا ، و وُفق ولاة أمرنا بانتهاج هذا المنهج ، والالتزام به في كل شؤون البلاد ، مما كان سبباً بعد توفيق الله تعالى في إكساب هذه البلاد حكومة وشعباً مكانة عالمية مرموقة حتى أصبحت قدوة صالحة لجميع البلدان في كل شؤونها .
ومن هذا المنطلق ؛ فإننا نقول وبكل فخر : بأن دولة تؤمن بالله رباً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ، وتحكم بشرع الله ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ، وتبذل بلا من ولا أذى ، يحق لها أن تكون هي الدولة العظمى ، بإيمانها ، وعقيدتها ، وشرعها ، وقيادتها ، ووحدتها ، وتوكلها على الله ، وحبهاللخير ، وبذلها للمعروف لكل الناس .
إنه من الواجب على كل مسؤول ومواطن أن يتخذ من قيادتنا الرشيدة أسوة حسنة ، والعمل بكل إخلاص وتفانٍ بما يخدم عقيدتنا وبلادنا ويحقق طموحات قادتنا حاضراً ومستقبلاً .

بقلم الدكتور / فايز بن علي الأحمري

التعليقات ( 0 )