• ×

04:09 مساءً , الثلاثاء 27 محرم 1439 / 17 أكتوبر 2017

عبدالعزيز قاسم
بواسطة : عبدالعزيز قاسم

 0  0  46
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أسدل مليكنا الحبيب سلمان بن عبدالعزيز يوم أمس الستار على قضية ظلت تلوب وتشعل الساحة الفكرية والمجتمعية لثلاثة عقود، وكانت كلما خبت وأطفئ أوارها، عادت لتشتعل وتشغل المجتمع برمته وقتا، كان يضيع في تبادل اتهامات التخوين والتفسيق والتحجر.

لا أدري بم أصف تلكم المشاعر التي انتابتني وأنا أرى ذلك التصفيق الذي قوبل به سفيرنا المتميز عبدالله المعلمي في أروقة الأمم المتحدة، والرجل يخبر القوم هناك بالأمر السامي بالسماح للمرأة السعودية أن تقود السيارة. ألهذه الدرجة بلغ موضوع مجتمعي محلي أن يهتم به العالم برمته، ويصفق لقراره؟!

بالأمس، استحضرت مكاشفاتي الصحافية في ملحق "الرسالة" بصحيفة "المدينة" التي أجريتها مع الدكتورة النبيلة عزيزة المانع بعد خمس عشرة عاما تقريبا من تلك المسيرة الشهيرة، التي خرجت فيها بعض نساء الوطن، يقدن فيها السيارات بوسط العاصمة الرياض، وطالبن فيها بالسماح للمرأة السعودية أن تقود السيارة، وأتذكر أننا أول من فتحنا هذا الموضوع الحساس بشكل صريح ومستفيض في الصحافة السعودية، وأكرمتنا د. المانع بوصف دقيق لما حصل بتلك المسيرة، وكانت من الأمانة والموضوعية أن تكلمت بكل الانصاف بما حصل، ولأهمية شهادتها تلك، ضممت ذلك اللقاء ضمن كتابي "مكاشفات - الجزء الثاني" وطبعه مشكورا دار العبيكان، لتظل تلك الشهادة وثيقة تاريخية لما حصل في تلك المظاهرة النسائية التي هزت المجتمع السعودي من أقصاه لأقصاه.

قضية قيادة المرأة للسيارة، ظلت الشغل الشاغل في الصحافة السعودية، حتى ظننت عندما تهدأ الأمور ولم تعد ثمة أحداث تقتات عليها الصحافة، تقوم بإعادة اثارتها من جديد كي تتحرك الساحة من جديد، وعندما تبلغ الأمور ذروتها يتدخل الوزير ويحسم الجدل، وهاته القضية تصطف لقضايا مثيرة أخرى كالسينما ورياضة البنات وعمل المرأة، وجملة قضايا مجتمعية، كتبتُ فيها كثيرا ومن سنوات عديدة، وطالبتُ فيها النخب الشرعية بألا يقفوا أمامها، واشتبكتُ –بكل الرقي والحب- مع دعاة عديدين كتبوا معارضين ما قلت، وكل الذي كنت أقوله بأن سيرورة المجتمعات، في كل العالم وعلى مدى التاريخ، تشي بأن هذه الممانعات لا تصمد، ومن الأفضل بدلا من مواجهة عواصف التجديد، والتترس بـ"سدّ الذرائع"؛ المبادرة بوضع ضوابط لها، وكنت أسوقُ لأولئك الشرعيين برهانا ناجحا في قضية رئاسة تعليم المرأة، عندما لم يحاربوها، وتقدموا ووضعوا ضوابط تراعي قيم المجتمع، ونجحت على مدى خمسين عاما.

"تخرجُ قاعدة سدّ الذرائع عن مسارها الشرعي؛ عندما تتحول لذريعة يتم بها منع المصالح الراجحة لتحفظات، تشكّك في قيم الأفراد وقدرة المؤسسات" . عبارة من ذهب، صيغت بدقة عالية، في موقع مركز الحرب الفكرية. العبارة تختصر لنا كل المشكلة، وتقدم الحل أيضا لباقي القضايا الآتية، ولطالما كتبت بأن الجهود التي تبذل في تلكم الممانعات بحجة "سدّ الذرائع"، لو انصرفت للحرب على الفساد والرشوة، وتنظيف أروقة الوزارات من كل جراثيم الفسدة وسرّاق المال العام، بما يطالب به ولاة أمرنا حفظهم الله، أن نكون عونا لهم في ذلك التطهير؛ إذن لارتقينا ببلادنا وخطونا بها خطوات نتقدم فيها على ماليزيا وسنغافورة وباقي تلك البلاد التي تخلفنا عنها لأسباب منها هذه الاحترابات المجتمعية التي لا تتوقف، وولي عهدنا الشاب محمد بن سلمان في الرؤية الجريئة*2030**لهو بمسيس الحاجة أن نعينه، ونسانده بتلك الرؤية التي ستخلق لنا سعودية قوية وشابة تعتمد على صناعاتها ومقدراتها المتنوعة بعد أفول زمن البترول .

نحن نعيش منعطفا تاريخيا في بلادنا، وكل العالم يتجه بأنظاره لنا حيال التغييرات التي تحصل، ولربما ما قوبل به سفيرنا المعلمي في أروقة الأمم المتحدة شاهدٌ على ذلك، ونصيحتي هنا لكل أحبتنا ممن كانوا معترضين على قيادة المرأة للسيارة التزام غرز علمائنا الكبار، فولي أمرنا حسم الموضوع لما يراه مصلحة شرعية للبلاد، وهيئة كبار العلماء قالت تعليقاً على قرار مليك الحزم سلمان: "حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الذي يتوخى مصلحة بلاده وشعبه في ضوء ما تقرره الشريعة الإسلامية"، وبقرار مليكنا انتهت قضية "قيادة المرأة للسيارة" وذهبت لأرفف التأريخ، ولا مجال للمناكفة والاعتراض.

الحفاظ على اللحمة الوطنية والتماسك المجتمعي، وعدم الانقسام والتشظي، والتفاف الشعب السعودي حول قيادته وعلمائه؛ ميزة كبرى، عبرنا بها منعطفات حادة، وصمدنا أمام زلازل كبرى، وسنعبر –بحول الله وقوته- ما سيأتي.

بقلم: عبدالعزيز قاسم
نشر بالزميلة أنحاء

التعليقات ( 0 )