• ×

01:53 صباحًا , الأربعاء 23 ربيع الأول 1441 / 20 نوفمبر 2019

عبدالعزيز قاسم
بواسطة : عبدالعزيز قاسم

 0  0  425
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تابعت مقاطع أرسلها صديق كريم، للباحث الموريتاني المقيم في الدوحة الدكتور محمد الشنقيطي وكان الرجل يتحدث من على منبر قناة “الجزيرة” القطرية ببرنامج الاتجاه المعاكس في حلقة بعنوان "هل ستبقى مكة ضحية الخلاف السياسي ؟" ورأيته ينوح على وضع الحرمين الشريفين وسوء الخدمات –بوهمه- التي تقدمها السعودية لحجاج بيت الله، بل ذهب أبعد من ذلك بأن بعض أخلاق الجاهلية لا نتمتع بها نحن اليوم في إدارتنا للحج.

كثيرٌ من هراءٍ انزلق له الباحث الموريتاني، ما أشفقت على من سلّطه ليظهر بمظهر النائحة المستأجرة، التي يعلم الجميع تباكيها المضحك، وأنها دموع زيف وزور، وهم يتساءلون عن الأجرة التي ستأخذها من أهل الميت بحسب أدائها المقنع.

نعود لبداية القضية مع قطر، ونترك النوائح المسترزقات الذين باعوا أقلامهم لمن يدفع أكثر، فلطالما ابتلينا بهم عبر صحف أم قنوات أم معارضة، فقد غمزت قطر –وهي في صميم مقاطعة شقيقاتها الخليجيات- إلى التلويح بموضوع تدويل الحرمين، *عبر*اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان القطرية التي خاطبت المقرَّرَ الخاص بالأمم المتحدة، المعني بحرية الدين والعقيدة، حول “العراقيل والصعوبات أمام حجاج دولة قطر من المواطنين والمقيمين، من أداء مناسك الحج”، وتكلمت عن تسييس الشعائر الدينية واستخدامها لتحقيق مكاسب سياسية.

ولأن موضوعاً كهذا تعرّضنا له من عقود أربعة ولا نزال، وأنها تبدأ بشكوى حول تسيس الحج وتنتهي كمطالبة بتدويل الحرمين، تنعق بها كل دولة نختلف معها سياسياً، ثم تخرس الدعوات بمجرد أن نتصالح معها، بينما هم الذين سيّسوا هذه القضية ابتداء، وظنوا أنها موضوع ابتزاز للسعودية التي لا تأبه أبداً لهم ولا للناعقين والمرتزقة الذين يهبّون معها في كل أزمة، فكان الرد الحاسم من قبل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، الذي قال بأن المملكة ترى دعوة قطر لتدويل مناسك الحج على أنها إعلان حرب، وقد وضع النقاط على الحروف، وأبان عن موقفنا الحاسم وما سنتخذه من إجراءات تجاه أية دولة جارة لنا، ليسارع بعدها وزير الخارجية القطري، نافيا أي دعوة قطرية للتدويل ويقول “لم يصدر أي تصريح من أي مسؤول قطري بشأن تدويل الحج، كما لم يتم اتخاذ أي إجراء من شأنه النظر في قضية الحج كقضية دولية”.*

كتبت مشفقاً حادباً على جارتنا قطر في بداية الأزمة، ونصحت بأن تجلس مع شقيقاتها الغاضبات، وتتفاهم معهم وتحل مشكلتها، وأن الاستمرار في العناد سيدفعها لأحضان إيران وغيرها من الدول التي تتربص بكل الخليج، وها هي قطر الآن تردد ما تطالب به إيران وتحلم به مذ ثورتها المشؤومة مع الخميني، من افتكاك الحرمين من دولة التوحيد ورأس السنة في العالم الإسلامي.

أطماع هؤلاء الصفويين بدأت مع نجاح ثورتهم، ففي احتفال رسمي بالثورة الخمينية أقيم في الأحواز بتاريخ 17 مارس 1979م، ألقى الدكتور (محمد مهدي صادقي)، خطبة جاء فيها:”وبعدما قمنا وثبتنا على أقدامنا، ينتقل المجاهدون المسلمون إلى القدس وإلى مكة المكرمة وإلى أفغانستان”.

الحلم الصفوي بالسيادة على الحرمين بدأ من الخميني، فبعد عامين من انتصار الثورة الإيرانية أي في عام 1981، عقدت إيران مؤتمراً يدعو إلى تدويل الحرمين الشريفين، ولم ينجح بسبب ضعف الحضور، بيد أنها لا تزال تنعق كل حين، وربما قبل عاصفة الحزم السلمانية بأشهر، كان خطيب جامع طهران يصيح مهللاً بأن رابع عاصمة عربية سقطت –يقصد صنعاء- والعام المقبل سنكون في مكة.

وتنقل الكاتبة إحسان فقيه ما جاء في كتاب “الإسلام على ضوء التشيع”، حيث قال حسين الخراساني أحد رموز الجمهورية الإيرانية: “إن كل شيعي على وجه الأرض يتمنى فتح وتحرير مكة والمدينة وإزالة الحكم الوهابي النجس عنها”.

القوم يحلمون فعلا بإزالة القيادة الدينية للعالم الإسلامي منا، عبر هذه المطالبة غير المشروعة، وبعض الدول العربية والخليجية، التي تتشدق أنها حاملة لواء الاسلام والدفاع عنه، تتماهى بكل غباء مع تلك الدعوات، ولا تعرف أنها سترتد عليهم أيضا.

الباحث الموريتاني الدكتور محمد الشنقيطي استدعى التاريخ في حواره بتلك الحلقة، وضرب على أعراف الجاهلية، وهو يدري أن عبر التاريخ كله، من يملك الحرمين الشريفين تكون له السيادة، ويتذكر كيف أن قبيلة “جرهم” اليمانية عندما أتوا لبئر زمزم لم يجدوا سوى هاجر زوج سيدنا إبراهيم عليه السلام وابنها الرضيع، فاستأذنوها، وكان عرفا جاهلياً مضى من بعدهم. وعندما أتت “قضاعة” ؛ كانت السيادة لهم ولم ينازعهم حقهم في الإشرف على بيت الله طيلة ثلاثمائة عام، حتى جاء قصي بن كلاب ونقلها لقريش، واستمرت حتى بعثة سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم.

التاريخ يحدثنا عبر كل عصور الدول والممالك التي حكمت مكة والمدينة بأن السيادة تكون لمن تتبع له المدينتان، وأن من يسيّس الحج اليوم هم الذين يثيرون هذه القضية المحسومة عرفا وقانونا وتاريخا، وإن رأت السعودية إبعاد بعض الأشخاص الذين يكون لوجودهم مشاكل أو مآرب سياسية، فهذا من حقها للمحافظة على أمن الحجاج، فضلا على أن ذلك من صميم سيادتها وحقها المشروع، وبدلا من اتهامنا بالتسيس، كان على د. الشنقيطي وغيره من النائحات التصدي لما تفعله إيران في كل موسم حج بالمظاهرة المضحكة من البراءة من الأمريكان، ويالها من براءة!!

طالب الدكتور الشنقيطي في حواره بالنظر لأرقام الحوادث التي وقعت في مواسم الحج، ولم يتمتع بروح الانصاف والتناول العلمي ما قدمته السعودية عبر تاريخها كله لتطوير الحرمين الشريفين، إذ في الخمسين عاما الأخيرة، أنفق على الحرمين ما لم يُنفق عليها في تاريخها كله، بل ويتشرف ملوك آل سعود بهذا الإنفاق ويعدونه واجباً ، ملكاً وراء ملك، ويعتبرونه قربى لله وشرفاً لا يدانيه شرف، بل حتى في أحلك الظروف الاقتصادية، يقدمون عشرات المليارات فيما غيرهم ينفق على ملاعب رياضية أو مجمعات ترفيهية، أو تمويل لحركات مشبوهة لا همّ لها إلا زعزعة الأمن في البلدان العربية، أو دعم لرجال معارضة في لندن وعواصم الغرب.

أما الحوادث التي تقع في موسم الحج، فرغم كل الاحتياطات، لا بد من بعض الحوادث وأنت تسيّر جموعاً يصلون للثلاثة ملايين فرد في منطقة محدودة، ومساحة صغيرة بوقت وجيز، وأكثر من نصفهم كبار سن وأميون أتوا من قرى، وبالكاد ينضبطون. ورغم كل محاولات تثقيفهم قبل مجيئهم إلا أن تسيير الجموع بمئات ألاف من الصعوبة التحكم فيها، والحمد لله أن السنوات الأخيرة انضبطت تلك المسيرات نحو الجمرات، دون أن نستبعد ما يكيد به الأعداء حولنا من تشغيب ومحاولات لزعزعة أمن الحج، والتعكير على الجو الإيماني بافتعال الحوادث.

أتوجه في نهاية مقالتي بهمسة محب صادقة إلى القيادة في قطر، أن تراجعوا عن مسلككم، فلا الصفوي ولا التركي أقرب لكم منا، وعندما تدلهم الأمور سيتركونكم في العراء وقتما يجدون أن مصلحة دولهم في ذلك، وما تفعلوه اليوم انتحار سياسي، باللجوء للضرب على قضية هي خط أحمر بالنسبة لنا عبر نوائح مستأجرات في قناة تتبعكم؛ وسيكلفكم هذا الكثير والكثير.

لا تستفزوا الحليم القوي، فلربما يكون رده عنيفاً بعد أن استنفذ طرق الحوار والسياسة، وقد نصحت.

بقلم: عبدالعزيز قاسم
نشر بصحيفة انحاء الالكترونية

التعليقات ( 0 )