• ×

01:30 مساءً , الأحد 13 محرم 1440 / 23 سبتمبر 2018

عبدالعزيز قاسم
بواسطة : عبدالعزيز قاسم

 0  0  377
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بكثير من الألم كنت أتابع ما يحدث من مجازر لأهلنا في "الفلوجة"، وآلمتني تلكم المقالات والتغريدات لبعض قومنا وهم يهللون ويجأرون بدعمهم لميليشيا قاسم سليماني الصفوية التي تقود الهجوم على أهل السنة في "الفلوجة"، متكئين إلى أن الهجوم إنما هو على "داعش".

انصرفت – وأنا بهذا الألم لما يحدث لأخوتنا هناك- إلى موعد لي مع مراسل أمريكي بارز، يعمل لإحدى كبريات الصحف الأمريكية، يعدّ تحقيقا عن الدين والتيار الديني بالسعودية، ووقتما وصلته في ردهة الفندق الذي يقيم فيه، بادرني بالشكوى من عدم تجاوب بعض الرموز الدينية بالسعودية معه، ولأنني في قلب هذا الميدان من ربع قرن، أجبته بكل الصراحة حيال هذا العزوف من لدن الدعاة والمشايخ عن المشاركة معه وغيره، وقلت له بأن أقوى الأسباب لديهم، شكّ هؤلاء في كثير من المراسلين الغربيين الذين انفلتوا للمنطقة، أنهم عملاء استخبارات ومراكز تجسس، أتوا ليتلقطوا الأخبار والمواقف تحت غطاء مراسلين.

الأمر الثاني بأن معظم هؤلاء المراسلين، يجيّرون مشاركات هؤلاء الرموز الدينية معهم ضمن إطار توجّه الصحف التي ينتمون لها، فتأتي المشاركة مبتورة لا تعبّر بشكل صحيح عن رؤيتهم الحقيقية، وبالتالي فقد اسُتخدموا غطاء باهتا، لوجود شاحب للرأي الآخر الذي يزعمون.

بادرت هذا المراسل الإعلامي، وقلت له أنت كأمريكي في قلب الحدث، كيف تقرأ موقف الولايات المتحدة لما يحصل في "الفلوجة" اليوم؟ أجابني ابتداء أن رأيه يمثل نفسه فقط، ولا يمثل حكومته، وأن هذا الهجوم على "داعش" هو ما ترغب فيه الولايات المتحدة، سواء كان عن طريق الحكومة العراقية أم الميلشيات الشيعية. جبهته وقتها محتدا -ببراءة مصطنعة- مستفسرا: "ولكن أين هي شعارات حقوق الإنسان التي ترفعها بلادك، وأين تلك المبادئ التي تقوم عليها الولايات المتحدة من نشر الديمقراطية والدفاع عن الحقوق والوقوف ضد الديكتاتورية؟"، أجابني المراسل الأمريكي بكل سرعة وصراحة: "تلك مثاليات يا أخ عبد العزيز، ولا تعني سوى الشعب الأمريكي فقط، نحن هنا لمصالحنا ومصالحنا فقط".

أكمل المراسل الأمريكي حديثه الصريح، الذي استأذنته بالطبع أن أنشره، ورجاني عدم نشر اسمه منعا للحرج، وقال:"أنتم تحمّلون حكومة الولايات المتحدة ما يحدث في المنطقة، فعندما كنا هنا، وضحينا بجنودنا من أجل استتبات الأمن، قمتم علينا احتجاجا، وعندما رحلنا وتركنا المنطقة، جأرتم بالشكوى بأننا تركنا المنطقة"، بالطبع لم تفت على تلك المغالطة الفاقعة، وقاطعته:"الولايات المتحدة هي من أحدث هذه الفوضى في العراق والمنطقة، إذ سلمت إيران والشيعة مفاتيح العراق، ولم تقم بالتوازن المطلوب بين الطوائف هناك، ولو فعلت ذلك التوازن، لما كنا في هذه الفوضى التي تضرب المنطقة بأسرها".

كان الحوار مع الرجل شفيفا، إذ تمتع بالصراحة الكبيرة ليقول لي:"أنتم تكبّرون موضوع التعاون مع إيران، وتصوّرون بأن الولايات المتحدة غدرت بكم في السعودية والخليج عندما أبرمت الاتفاق النووي، رغم أنها في النهاية لصالحكم"، وبذات البراءة المصطنعة قلت له:"كيف تكون لصالحنا وأنتم أعطيتم لإيران شرعية بحصولها على السلاح النووي بعد 15 عاما، وفككتم عن العدو التاريخي لنا العقوبات الاقتصادية، في الوقت الذي نحن في ساحة حرب معها على طول أربع جبهات، ونحن الذين تربطنا بكم علاقات وثيقة وإستراتيجية على مدى خمسين عاما، لنفاجأ بهذا الاتفاق الذي أتى من وراء ظهرنا، وتقوم الآن لتصوره لنا بأنه لصالحنا، وبأن المسألة بسيطة جدا، وألا منطق في غضبنا من موقفكم؟"، رد الرجل:"دعني أقول بصراحة، من أنتم لتهتم بكم الولايات المتحدة، رجل الشارع الأمريكي لا يرى فيكم إلا النفط والإرهاب فقط".

هذه رؤية الأمريكي الحقيقية لنا، والقوم هناك متطبّعون بهذا الطابع الميكافيلي الذي لا يرى إلا مصلحته، وفقط مصلحته، بالطبع لم يفتني أن أسأل الرجل عن توقعاته حيال مستقبل السعودية، سيما وأنه ملمّ جدا بالحراك الذي يجري فيها، ويتحدث بطلاقة كبيرة اللغة العربية، فأجابني: الرؤية التي تحدث بها ولي ولي العهد محمد بن سلمان واعدة جدا، وتنم على تحرك فعلي لدى القيادة السعودية، ولكن يظل الرهان لمتابع مثلي حيال التنفيذ، لو تحقق 70 أو 80% من الرؤية لاعتبرت ذلك مؤشرا عاليا للنجاح، ولننتظر معك.

ودعت الرجل، وعدت لأتابع ما يحصل في الفلوجة التي يهلل لما يحدث فيها بعض قومنا، وأقرأ تصريح قائد الفيلق الذي يهاجم الفلوجة اليوم والتابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، مهاجما السعودية ومتوعدنا بـ"الهزيمة" في اليمن، وأصفق كفا بكف وأنا أردد:"على الأقل، إن لم تنصروا الضعفاء من النساء والأطفال السنّة في العراق، يسعكم السكوت والصمت، لا أن تناصروا هذا الصفوي الحاقد الذي يهاجم بلادنا جهرة، ويتوعدنا بالهزيمة".

بالتأكيد أن وجود "داعش" في "الفلوجة" اليوم، سبب ارتباكا أمام كثيرين لنصرتها، ولكننا ننظر للغالبية العظمي من النساء والأطفال والكهول الذين لا حول لهم ولا قوة فيما يحدث من مجازر من قبل الميليشيات الشيعية المتطرفة، ولابد للسعودية ودول الخليج من موقف حازم وصريح حيال هذا الاعتداء على أهلنا في "الفلوجة"، كي لا تظفر "داعش" بالدعاية التي ترددها، أنهم حماة السنّة الوحيدون في العالم بما يروجون.

الجماعات المتطرفة التي تتصارع في "الفلوجة" اليوم، إنما صنعها الأمريكي ومكّن لها، وهو يتفرج علينا اليوم من كرسيه الهزاز وقد أرخى قبعة الكابوي القبيحة وأشعل غليونه النتن.

بقلم : د. عبدالعزيز قاسم
تنويه تم نشر هذا المقال بصحيفة الشرق

لنشر أخباركم ومقالاتكم وتهانيكم عبر صحيفة جدة التواصل
ايميل jeddah.ch@gmail.com
واتس آب 0552550022

التعليقات ( 0 )