• ×

11:56 مساءً , الجمعة 28 صفر 1439 / 17 نوفمبر 2017

عبدالعزيز قاسم
بواسطة : عبدالعزيز قاسم

 0  0  269
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تروج في أدبيات طلبة العلم الشرعيين، خصوصا السلفيين منهم، مقولة: "لزوم غرز العلماء"، ويقصدون بذلك ملازمتهم والصدور عن رأيهم واتباعهم في كل خطواتهم؛ لتجنب الخطل والخطأ وزلات الأقدام والأقوال، وطبعا تساق المقولة وتشهر إبان سجالات مسائل العقيدة وفي أوقات المحن والهرج والفتن.
رصدت ردة الفعل القوية من لدن المشتغلين في الساحة الفكرية الشرعية، حيال التنظيم الجديد لجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، والذي أحدث جلبة –لا تزال تتصاعد- في أوساط العلماء والدعاة وطلبة العلم، الذين رأى كثير منهم في القرار تحجيما لعمل رجل الهيئة وتفريغا لمضمون رسالة الجهاز برمته، في مقابل مجموعة من أخصام الهيئة وعملها، الذين هللوا للقرار، وغردوا ابتهاجا بالتنظيم الجديد.
دوما تكتنف الظنون وقراءة النوايا كل من يكتب في مثل هذه المسائل الحساسة، فإن وافق هوى الأغلبية الثائرة، كان هو الرمز والبطل الشجاع الذي استطاع قول الحق، حتى لو أدى ذلك إلى نتائج عكسية، وأحدثت فرقة وخللا مجتمعيا حادا، وتأسطر أصحاب تلك الأصوات الزاعقة أمام تلامذتهم، وهم الذين لم يراعوا فقه الإنكار، من حيث المكاسب والمفاسد ومصالح الأمة،
ودوننا أمثلة طويلة حدثت في الساحة الشرعية المحلية المعاصرة، تكررت فيها مثل هاته الأخطاء، فيما تتوه أصوات الذين نظروا للأبعد، واستفادوا من أخطاء المراحل التي سبقت ورموزها وقتذاك، أمام غلبة المعارضين وسلطة المريدين وأصحاب الرأي الجانح.
حمدت الله كثيرا، أن ردة الفعل في موضوع الهيئة لم يتصاعد ويصل لخطوط بعيدة، وهذا من فضل الله علينا في المجتمع السعودي، وقد توجه طلبة العلم المحتجون إلى سماحة الوالد الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ مفتي عام المملكة، ولمعالي الشيخ صالح اللحيدان ومعالي الشيخ صالح الفوزان، وثلة العلماء في المؤسسة الرسمية الدينية، وهؤلاء كعادتهم استمعوا لهؤلاء المعترضين، ووعدوهم بحمل الأمانة، ومناصحة ولاة الأمر، كعادة علماء هذا الوطن مع حكامهم بالمناصحة السرية، بعيدا عن التأليب والتهييج، والاستماع لوجهة نظر الحاكم الذي يُجلّهم ويعرف قدرهم، ويُطلعهم على بعض الخفايا والأمور التي اضطرته لمثل تلكم القرارات، وبرأيي أن الحل الأمثل والوحيد لمثل هذه القضية وغيرها من الآتيات، هو باتباع هذه المقولة الذهبية: "لزوم غرز العلماء".
لماذا أرى أن هذا هو الحل المثالي الأوحد؟
التاريخ القريب أثبت صوابية ونجاعة هذا المسلك، فكاتب السطور عاش صميم قضية "الاستعانة بالقوات الأجنبية" بداية التسعينيات من القرن الفارط، ورأينا إذاك الهرج والانقسام الذي أحدثه بعض الدعاة المعترضين، ورأينا موقف كبار علمائنا إبان تلك الفتنة وثباتهم، رغم كل السهام التي تلقوها من بعض طلبة العلم الأغرار وحدثاء الأسنان؛ أنهم علماء سلطان، أو فقهاء "حيض ونفاس" لا يعرفون شيئا عن علم الواقع، والمبكي أن الشيخ العَلم عبدالعزيز بن باز -يرحمه الله- كان من يتصدر أولئك العلماء الأجلاء. مضت الأيام بعدها، وأكدت أن موقف ابن باز ورفقته الربانيين كان هو الأصوب والأحكم على المدى البعيد، فيما ارتدت مواقف أولئكم الدعاة بالضرر على مسيرة الدعوة، وأحدثت شرخا في الصف الشرعي الذي تشظى بحدة، لا نزال نعيش آثاره لليوم.
دونكم أمثلة كثيرة، تؤكد أن ترك أمثال هذه الأمور بيد العلماء الكبار، هو الحل الأصوب، ونتذكر موقفهم من فتنة "بن لادن" والقاعدة والتفجيرات، سارع وقتها علماؤنا للتحذير منها، وتأخر بعض الدعاة الكبار عن ذلك، وأثبتت الأيام انحراف أولئك الشباب. موقف علمائنا القوي من "داعش" اليوم مثال آخر. موقفهم من الربيع العربي، وأن دول الخليج لا تحتاج مثل هذا النهج والخروج على الحكام، وجنبوا بلادنا والحمد لله فتنة عظيمة بفعل بُعد النظر الذي تمتعوا به في هذا المسألة، إضافة إلى توافرهم على معلومات لصلتهم وزيارتهم الدائمة لولاة الأمر- الذي ربما لا يطلع عليه عوام الناس أو طلبة العلم المحتقنين هؤلاء، فيصدروا برأي صائب وتصرف أمثل حيال تلكم القضايا المشكل.
والله إنه من الحيف الكبير، والظلم العظيم رمي هؤلاء العلماء الربانيين ممن نثق بعلمهم؛ أنهم غير مؤدين للأمانة، وأنهم خانوا رسالة العالم الشرعي، وأنهم انخذلوا وتركوا الأمور دون أي نصيحة، واستمعت بأذني من أحد أبناء الملك الكبير فهد بن عبدالعزيز -يرحمه الله- كيف كان ينصت بالساعات وفي أوقات متأخرة لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز يرحمه الله، يناصحه ويراجعه في مسائل مجتمعية، وعلماؤنا الأخيار اليوم هم ورثة ذلك العالم الرباني الراحل الذي سطر اسمه بأحرف من نور في تاريخ بلادنا.
السعودية اليوم تتعرض لهجمات إعلامية كبيرة، والغربي يضغط بقوة بسبب الفئة الغالية "داعش"، ولربما سمعتم عن تسريبات إعلامية تقول بإجراءات تحاول الولايات المتحدة فيها فتح ملف 11 سبتمبر في المحاكم الأمريكية، وإدانة السعودية فيها، وسمعتم رأي الكاوبوي الأسمر المتعجرف أوباما حيال الوهابية، وأنها هي سبب نشوء "داعش"، ومحاولته تحميل منهج الدولة السبب في هذا التطرف، وثمة إشكالات تجعل من السياسي اليوم يتخذ بعض الإجراءات التي ربما لا ترضي كثير من الشرعيين، ولكن لحفظ بيضة الدين والدولة في العموم.
من المهم التكاتف اليوم مع العلماء وولاة الأمر، لتفويت الفرصة على أي متربص يريد خلخلة الأمن المجتمعي، والنسيج الاجتماعي المتماسك الذي نحن عليه، ولست بالداعي هنا لترك الإنكار –حاشاي- ولكن بالطريقة التي تبرأ بها الذمة، وتحول دون حدوث مفسدة أكبر، ولا يتم ذلك إلا عبر التواصل مع العلماء الكبار، وهذا نهج السلف الصالح الذين يوصون دوما على ملازمة العلماء، وجعله منهجا ثابتا لهم. لا يحيدون عنه قيد أنملة، وقد رددوا: "حيثما كنت، فكن قرب فقيه"، وما ساقه بن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله" بسنده إلى أبي الدرداء -ـرضي الله عنه- قال: "من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم".
لزوم "غرز العلماء" والصدور عن رأيهم، والرجوع إليهم في الملمات. صمام مجتمع وحصن مسلم وإبراء ذمة ودواء مرض.


بقلم الدكتور:عبدالعزيز قاسم
نشر بصحيفة الشرق القطرية


لنشر أخباركم ومقالاتكم عبر صحيفة جدة التواصل على الايميل
jeddah.ch@gmail.comأوالوتساب 0552550022

التعليقات ( 0 )