• ×

08:16 صباحًا , الخميس 5 ربيع الأول 1439 / 23 نوفمبر 2017

سماء الشريف
بواسطة : سماء الشريف

 0  0  177
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قالت أمي ؛ " أهله كبوه والجن استلقوه "
مجتمعنا خليط متنوع رغم كوننا داخل بيئة جغرافية واحدة وبداخلنا الكثير من المتناقضات التي يعترف بَعضُنَا بها وينكرها البعض الآخر " ولن أبتعد إن قلت أننا نشأنا وبداخلنا الكثير من علامات الاستفهام والتعجب التي تركتنا نتأرجح بين الرفض والقبول أو الهرب إلى عزلة خاصة فكانت أسلوب حياة بدرجات مختلفة .. أذكر والدتي رحمها الله وقد نشأنا في مدينة جدة كانت حريصة على أن تكون لهجتنا حجازية تناسب حياة الحضارة التي أرادت أن نعيشها بعيداً عن لهجة أجدادنا وأذكر أنني كنت كثيرة الاستفسار عن السبب حين التقي اقاربي في الحسينية بمكة وهم يتحدثون لهجة مختلفة عن التي نتحدثها فكانت تجيبني أنتِ ابنة المدينة لاصلة لكِ بالبادية وتنهرني خلال محاولاتي لتعلم تلك اللهجة بالمثل القائل :"أهله كبوه والجن استلقوه ..! " كانت رحمها الله حجازية اللفظ والأمثال محبة للحضارة والعلم ولم أخالفها فكنت وأخي كما أرادت لنا رغم الإحساس الذي يراودنا حين نلتقي بأحد من أهلنا وكوننا لم نكن نلتقيهم إلا في العيد كان الأمر وقتياً وليس أكثر .. الغريب في الأمر حين نستقبلهم كان الاحتفال يتناسب مع عاداتهم فكانت الضيافة وتقديم العشاء يتم بطريقة خاصة لأجد منفذاً للسؤال ومعرفة الكثير من المفردات وأساليب الحياة التي لا نعرف عنها شيئاً وتتحرك الأيام لأجدني أتقن الكثير ممافاتني واستكملته من جدي وجدتي " ستي وسيدي " كما كنّا نناديهم ، رحمهما الله كانا يتحدثان لهجة بدوية خاصة بأهلهم "عُربة" ولم تؤثر الحضارة في تغييرها فحرصت على تعلمها من خلال الحكايات والقصائد التي يرويانها عن القدماء ، والغريب أنني استفسر من والدتي عن معاني بعض المفردات التي اكتشفت من خلالها معرفتها الجيدة بها ولكنها لاتتقنها ولاتريد بل وترفض التحدث بها ، لم يخطر ببالي أن ذلك أمراً غير عادي وكانت حياتنا كما أرادت لها والدتي أن تكون .
خلال المراحل الدراسية التقيت بالكثير من فئات مختلفة من المجتمع بعضهم يتحدث اللهجة الحضرية الحجازية والبعض يلتزم اللهجة البدوية " قبلي أو غير قبلي " ولا أنكر وجود العنصرية لدى البعض من الزميلات وعند حدوث المشكلات تتحدث الواحدة عن الأخرى بكونها بدوية أو حضرية ، كان الأمر لفترات قصيرة وينتهي لكنه مشهد متكرر ولعل ذلك جعلني ازداد حرصاً لأكون ( حضرية وبدوية ) بلسان ٍ ُيجيد كلا اللهجتين .
ربما هناك من يعتبر أن هذا الأمر شيء عادي وطبيعي ولكن مع مرور الأيام ومن عاش مثل هذه التجربة لديه الكثير من القصص الغريبة التي تثبت أننا متناقضين ينخرنا سوس العنصرية لأنها موجودة في نطاق واسع وتزداد الأمثلة والصور لتشمل الزميلات والأصدقاء والزواج وكافة جوانب الحياة ولم يشفع لنا علمنا أو ثقافتنا لنتخلص منها .
كبار السن لا أجد لوماً عليهم كونهم أكثر قرباً من حياة آبائهم وأكثر التصاقاً بعاداتهم وحظهم أقل من التعليم أو الاختلاط وفرصة تغييرهم أكثر صعوبة ولكن المشكلة الحقيقية حين ترى المثقف والمتعلم مفاخراً بين أقرانه محقراً لشأنهم بعبارة " شغل قبايل ماتفهمونه " ..! أو "أنتم طرش بحر ..!! " ولو كانت ممازحة فهي مقيتة لامعنى لها ..!
هناك فتاة تتحدث مع الآخرين عن والدتها كونها قبلية حين تجد عنصريتهم تجاهها وهناك من ينعت زوجته بالبداوة وكأنه اتهام وهناك من تجد إساءة من أهل زوجها ونعتها بالبدوية ... وهناك مفاخرة ومباهاة لاتقتصر على فئة دون غيرها والقصص أشكال وألوان على مر الأيام .. عنصرية نتوارثها ونجاهر حتى أصبحت أسلوب تقييم للناس الذين أكرمهم الله فهل تطورت عقولنا حقاً أم أننا نخفي جانباً مظلماً نجيد إخفاء قبحنا الذي نحمله بداخله ..؟!
صورة مرفوضة لمجتمع مسلم لم نتخلص فيها من العصبية القبلية والتنابز بالألقاب أو السخرية من قوم أفاضل حين نسمع من يقول : مابالكم يا أهل مكة تقلبون الذال إلى دال فأجابوه كداب كداب ..! وهل فعلاً انتهينا إلى هذه الصورة التي لم نستطع التخلص فيها من أردان جاهلية بالية حرمها الإسلام ؟! ..
نسينا الحكمة والوعي مما تعلمنا فكيف لنا أن ننسى تلك العبارة التي كانت تكتب على بعض شهادات التقدير : "إن الفتى من يقول ها أنذا .. ليس الفتى من يقول كان أبي " ، وكأن علمنا لم ينفعنا ولم نعمل به ..!
فُضلة المداد : إذا لم نتغلب على أنفسنا ونصلح اعوجاجها بصورة صحيحة وننظر لبعضنا نظرة احترام لن نستحق إنسانيتنا التي ندعيها وهناك أجيالٌ سترث هذا التناقض والقبح الذي يلازم كثيراً من صور حياتنا اليومية " نورثهم السفه والغرور ولاذنب لهم سوى أنهم ينتمون لنا ويدينون لأفعالنا البغيضة بالتبعية ..!

بقلم التربوية : سماء سرور الشريف


لنشر أخباركم ومقالاتكم عبر صحيفة جدة التواصل على الايميل
jeddah.ch@gmail.com أو الوتساب 0552550022

التعليقات ( 0 )