• ×

05:53 مساءً , الثلاثاء 4 ذو القعدة 1439 / 17 يوليو 2018

عبدالعزيز قاسم
بواسطة : عبدالعزيز قاسم

 0  0  946
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تهاطلت على جوالي صور محاضرة فضيلة الشيخ الوضيء صالح آل طالب إمام الحرم المكي إبان زيارته للهند الأسبوع الفارط، وتعجبت، ليس لمئات الآلاف من الجماهير المسلمة التي احتشدت في منظر مهيب يأخذ بالنفس، ولكن من تفاعل أفراد المجتمع السعودي وهم يتناقلون بفخر هذه الصور، ويتهادونها في قروبات "الواتس آب" و"التليغرام" و"تويتر"؛ ما جعلني أحمد الله تعالى على وسائل التواصل الاجتماعي التي تجاوزت الاعلام التقليدي المتكلس، وجعلت من الأفراد العاديين إعلاميي العصر.
عدت لمقاطع أئمة الحرمين الشريفين في محرك البحث العالمي "غوغول"، وهالتني تلك المقاطع المصورة لكل زيارة لأحدهم، وحظي معالي الشيخ عبدالرحمن السديس بالكثير من المقاطع المصوّرة له في باكستان والهند وماليزيا، ما جعلني أتمتم: "هؤلاء والله هم السفراء الحقيقيون لبلادنا ووطننا، وليسوا أحداً آخر أبدا، وهؤلاء من نفخر بهم بحقّ، وهم يجوبون العالم ليعكسوا الصورة المتألقة لبلادنا".
من يتسنى له حضور تلك المحاضرات المليونية؛ ليرَ من فوره ذلكم الحب المرتسم على سحنات الأوجه، والدافعية الايمانية التي جعلت من قروي فقير يترك حقله ومزرعته ليهرع من أمسه للسفر إلى المدينة التي سمع بأن الإمام الآتي من بلاد الحرمين الشريفين سيحاضر أو يصلي فيها، دعك من الموظف البسيط الذي ترك دوامه ذلك اليوم، ليبكر في حجز مكان له من صباحات ذلك اليوم، وقس على ذلك بقية الحضور الذين تعددت مناصبهم الكبيرة، وتباينت فروقاتهم الاجتماعية، وتوافدوا من كل حدب وصوب؛ فقط ليحظوا بصلاة خلف إمام قبلتهم التي يستقبلون خمس مرات في اليوم، ويظفروا بالتأمين على دعائه، أو رؤية وجوه أئمتنا الايمانية التي تشع بنور القرآن الكريم الذي يحملونه. كل تلك الحشود المليونية أتت بدافعية ذاتية من وحي إيمانهم، واصطفت جلوسا وقد أرهفت الآذان لترجمة ما يقوله إمام الحرم، وفتحت –بكامل إرادتها- العقول والقلوب لسماع أي توجيه أو تصويب أو قيم يقدمه إمام الحرم.
للأسف لم نستثمر مكانة وحبّ العالم الاسلامي لأئمتنا هؤلاء بالشكل الكامل، وكم أتمنى أن تنبري لجنة عليا في بلادي، لدراسة استثمار تلك المكانة العالية لهم في قلوب العالم الاسلامي، وتضع جدول زيارات سنوية تكون ضمن مهام إمام الحرم المكي أو المدني، ويصاحب ذلك حملة إعلامية مركزة لتغطية زيارته، تنقلها كبريات الفضائيات لدينا وأجهزة التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية الكبيرة -هم أولى والله من تغطية فنان بائس أو ممثل تعيس- لتصل التغطية لكل دول العالم، الذين سيرون من هم الممثلون الحقيقيون لديننا السمح، وأي إسلام هو الذي نعتنقه، وأمامهم أئمة الحرمين يحاضرون عن الوسطية والاعتدال، ونبذ التطرف والغلو، ويترجمون ما عليه نهج بلادنا من دين وسماحة.
الصديق د.خالد العجيمي أحد الدعاة السعوديين ينقل عن أحد الإيرانيين أنه قال له: "لو كان الحرمان الشريفان بأيدينا، لعيّـنا فيهما مائة إمام: عشرة يصلون بالناس، وتسعون يجوبون العالم لكسب المسلمين لنا"، وأتذكر مقالة للصديق الكبير جمال خاشقجي وهو يطالب الشيخ عبدالرحمن السديس بنصح الباكستانيين باستخدام ملح الطعام الذي يحوي اليود، ودعوتهم إلى تعقيم أطفالهم بلقاح شلل الأطفال، وإبلاغهم بفتوى علماء الحرمين بتحريم الأعمال الانتحارية، ثم تكرار ذلك في مساجد أخرى، ودعاه لتشكيل جمعية علماء تحمل هذه الدعوة لكل أطراف البلاد، فلربما أطلق حملة علمية تداوي باكستان من هذه الآفات الثلاث، بحسب دعوة خاشقجي له.
من كانت له تجربة دعوية، وخالط المجتمعات الاسلامية، ليدرك تماما حجم وأثر أئمة الحرمين الشريفين ومكانتهم الدينية في صميم تلكم المجتمعات، وها أنا أكرر الدعوة هنا في مقالتي، وأصطف بجوار كثيرين نادوا بضرورة استثمار تلك المكانة لأئمتنا الأحبة، كنوع من القوى الناعمة التي يجب استثمارها لبلادنا.
سبق أن طرحت في مقالات سابقة، بأن ثمة قوى ناعمة نتوافر عليها، ونحتاج ترجمتها بفورية لا تقبل التأجيل، وناديت –من بعضها- بخطة استراتيجية إعلامية، عبر مائة محطة فضائية على الأقل وبلغات العالم الحية، تنقل مشاهد الحرمين الشريفين، وتخاطب تلك الشعوب بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال، وترجمة القرآن الكريم بلغاتهم، وتتحدث في أمور عامة لا يختلف عليها المسلمون، ونمرر رسالتنا الاعلامية بطريقة غير مباشرة لتلكم الشعوب، ويرى إخوتنا في الدين ما الذي قدمناه للحرمين الشريفين. طريقة لن تدخلنا في متاهات السياسة ودهاليزها، وغير مكلفة أبدا مقابل النتائج التي نحصل عليها.
فكرة أخرى تتمثل في انشاء جامعات وقفية، ينشؤها رجال الأعمال ممن يريدون وقف أموالهم في مكة المكرمة والمدينة النبوية، تتخصص في استقبال نوابغ الطلاب من العالم الاسلامي، بمعدل 5000 طالب في كل جامعة سنويا، ومتابعة هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم في بلادهم. هذا مشروع مهم جدا يحتاج أن يبلور وتوضع له خطة محكمة، فنتائجه على المدى البعيد إيجابي جدا علينا بحول الله، وللأسف نسختها إيران منا ونشرت تشيعها الصفوي في العالم الاسلامي عبر هؤلاء الطلاب، ونحن أولى منهم بذلك.
استقطاب خيرة ونوابغ علماء العالم الاسلامي، في كافة التخصصات الشرعية والعلمية، وإغراءهم بالسكنى في مكة والمدينة، مع الحوافز المالية وتجنيسهم، واستثمار طاقاتهم وخبراتهم العلمية التي نحتاج لها جدا في المرحلة المقبلة، بما تفعل الدول المتقدمة التي تستثمر هذه العقول العلمية.
أكبر قوة ناعمة نمتلكها، ونستطيع عبرها التأثير والتوجيه هو مكانتنا الدينية واحتضاننا الحرمين الشريفين، ولا شيء آخر بقوتها.

بقلم : عبدالعزيز قاسم


لنشر أخباركم ومقالاتكم عبر صحيفة جدة التواصل على الايميل
jeddah.ch@gmail.com أو الوتساب 0552550022

التعليقات ( 0 )